الحرية
كتبهاالروائي العراقي حمزة الحسن ، في 11 شباط 2008 الساعة: 09:27 ص

الروائي البيروي ماريا بارغاس يوسا في كتابه الجديد" رسائل الى روائي شاب" يضع خلاصة تجربته الروائية في القراءة والكتابة بطريقة ممتعة ومثيرة وهو كتاب لا غنى عنه للمحترفين والمبتدئين معا، لكنه في هذا الكتاب يشير الى ملاحظة حساسة ومهمة قد تكون مدعاة لليأس والفشل لدى الكاتب المبتدئ من النادر ان يتحدث عنها احد في العالم العربي ـ هذا اذا كان هناك شيء يتم الحديث عنه بوضوح
ماريا بارغاس يوسا في هذا الكتاب القيم يحذر الكاتب المبتدئ من مراسلة الكتاب المحترفين في " دول لا يعنيها الادب شيئا" لان من الاسباب التي ، بتعبير يوسا نفسه، التي تمنع الكاتب المبتدئ من مراسلة الكتاب المعروفين "هو الخجل أو الرادع التشاؤمي الذي يحبط ميولهم الادبية حين لا يتكرم هؤلاء في الرد عليهم" وهذه النقطة تحديدا تعكس موقف الكاتب المحترف الاخلاقي وحساسيته الادبية والسلوكية ازاء تجارب فتية
وفي مقال سابق لنا قبل عدة سنوات وقبل صدور هذا الكتاب الحديث العهد، وفي مقال واضح كنت قد أشرت الى هذه الظاهرة داعيا الكتاب الشباب الى الحذر من مراسلة الكتاب " المعروفين" لان التجربة المباشرة وقراءة بعض أعمال هؤلاء بوعي جديد وناضج تكشفت عن بهلوانات وفزاعات واصنام تم صنعها عبر واجهات سياسية وحزبية متخلفة وفي ضجيج اعلامي معروف وعلى مدى عقود

لدرجة ان " بعض" هؤلاء صدقوا الاسطورة السياسية عنهم وتعاملوا معها كحقيقة وسيكون الكاتب المبتدئ من ضحايا هذا الوهم، ومرة حدثني كاتب شاب عن استغرابه عن السبب الذي يمنع "كاتب محترف" عن الرد على اهداء كتابه الاول الذي أهداه له وبحث عن عنوانه ودفع نفقات البريد وهو سبب، قال، غير مفهوم بكل المعاني، وكان ردي التوقف عن اهداء الكتاب الاول الا اذا كان ذلك مع القلة التي تكتب وتفكر وتتذوق على المستوى نفسه من الحساسية الاخلاقية والجمالية

وقد تصل الغرابة، ومن واقع تجربة شخصية، ان بعض الذين يهدي لهم الكتاب الشباب كتبهم الاولى أو الاخيرة، ومن حوار شخصي مع عدد منهم انهم قالوا: ليس لديهم الوقت لقراءة تلك الكتب، بل ان احدهم قال بصراحة أو بصفاقة: ليس عندي الوقت حتى لشكر أصحابها ـ وهو سلوك تقليدي اجتماعي في الرد على التحية

ولا يظن ان هؤلاء مشغولون كأنشتاين في التفكير بمعرفة بماذا يفكر الرب أو بكوارث البشرية أو في ابتكار صيغ أدبية جديدة، ولكن ومن واقع المعرفة الدقيقة ان هؤلاء لم يعودوا يقرأون شيئا وكل تجربتهم في هذا المجال توقفت عند كتب قديمة خلقت لهم نجاحا سياسيا سهلا غير متوقع فأسكرهم طويلا، أو بتعبير أدق وقعوا ضحية هذا الغش النقدي السياسي الاخواني الردئ ودخلوا في حالة تشبه التسلطن أو نشوة المخدر أو غيبوبة نجاح وهمي لان نصوصهم لا تمتلك قدرة الدفاع عن نفسها أمام امتحان الزمن ـ والزمن يعري الاعمال الادبية

كان تيشخوف مثلا يستقبل الادباء الشباب في منزله وهو مريض ويقدم لهم المشورة والمساعدة ويتجنب الكلمات الثقيلة والكبيرة لانه كان يقول: ان النقد الجارح يقص الاجنحة الفتية
وكان الروائي اليوناني الكبير نيكوس كازنتزاكي الذي لا يلتقي بزوجته اليني الا عشرة ايام في السنة بموجب عقد الزواج المشترك لأنه يقضي الوقت في عزلته الاسطورية أو في اسفاره شديد الحساسية في التعامل مع الكتاب الشباب وتذكر زوجته اليني في كتابها السيروي عنه" المنشق" انها كانت تحمل له الرسائل والكتب خلال اللقاء السنوي لكنها تجاهلت مرة حمل كتاب شعر من شاعر شاب وحين علم نيكوس بالامر انفجر بغضب بركاني فردت عليه اليني: لكنه كان كتابا رديئا، فرد عليها: من يقرر ذلك؟ ثم انه تذكرني وهذا وحده يكفي للرد عليه

موقف كازنتزاكي موقف كاتب لا يمكن التفريق بين حياته الشخصية التي كانت شعرا خالصا ونقاءا مجردا من كل ضغينة وازدواجية وبين رواياته التي تنضح بحس اخلاقي صوفي انساني يطهر، على قول كاتب، ابسط ربوة من أية شائبة، رغم قدومه من وسط متواضع
مواقف كازنتزاكي ونصائح ماريا بارغاس يوسا ونبل تشيخوف لا تنبع من اصالة اخلاقية عميقة الجذور فحسب ولكن ايضا من نبل شخصي يصل مستوى الجمال ومن تقاليد ادبية وفردية. مرة قال لي كاتب عراقي مشهور في الهاتف:ان كاتبا شابا اهداه كتابه الاول ، فسألته: هل شكرته؟ قال ضاحكا بخلاعة: لبسته ـ وكلمة لبسته في اللغة العراقية اليومية تعني: حولته الى حذاء، اي أهملته. وفي خلال ذلك لم اجد ما اقوله له لأنني لم أعد أعرف هل كنت أتكلم مع بشر أم مع قناع مهرج؟
حمزة الحسن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | دوّن الإدراج
























