الحرية
كتبهاالروائي العراقي حمزة الحسن ، في 5 نيسان 2007 الساعة: 05:41 ص
كمال سبتي المار العابر لمناسبة ذكراه الاولى
لم يترك لنا الشاعر كمال سبتي متسعا من الوقت للحوار معه ولو عبر بريد الموتى ـ عنوان أحد دواوينه ـ فقد قرر ان ينجو من المنفى ومن الحياة ومن ـ آخرون قبل هذا الوقت/ عنوان ديوان له ـ وينحدر نحو الأزرق المعتم وحيدا في منفاه الهولندي بلا كلمة وداع، ووجد ميتا في منزله وحيدا وقد مضى على موته اربعة أيام في عزلة قاسية
وكمال الذي كتب بصدق واحب بصدق وخاصم بصدق واعلن عن كل ذلك بصورة لامواربة فيها بدا لكثيرين وكأنه أحد المخلوقات القادمة من الزمن الخطأ، لأن ثقافة التدليس والتخفي والازدواجية هي الثقافة السائدة منذ عصور ، لذلك اختار في النهاية عزلته الموحشة في قرية هولندية حتى قضت عليه لان العزلة كالحرية تحتاج ممارستها الى تأهيل واحتمال واستعداد وعلى قول نيتشة: العزلة لا يتحملها الا وحش او اله ـ لان الوحش لا يدركها والاله مكتف بذاته فهو كل شيء
لكن هل حقا قضت العزلة على كمال ام ان ـ اخرون قبل هذا الوقت ـ اخرين بعد هذا الوقت شاركوا في هذا المأتم المتعجل؟ كمال يوم خرج من العراق اواخر الثمانينات صدم بما وجده في الخارج. لم يجد خيلا وليلا ولا رايات على ابواب بغداد ولا حتى صهيل ارانب خاصة وهو من جيل حلم بالثورة والثوار وغرف صنع المشاريع الكبرى كما جاءت في الكتب وصور الحالمين الكبار من جيفارا وكاسترو ودوبريه وغيرهم في تلك الايام
لم يجد كمال شيئا من ذلك ـ كما لم يجد غيره ـ وكل ما وجده فرق ردح تصهل في كل مكان والرايات الوحيدة التي شاهدها لم تكن على ابواب بغداد بل على ابواب العجائز الاوروبيات أو في المواخير ولم يجد قتلى حرية وكل القتلى الذين وجدهم هم قتلى قمار او احذية أو مراقص ليلية بائسة ، لذلك هرب الى عزلة لكي يموت ميتة تليق بشاعر حقيقي وملك بابلي خرج لصد الاعداء فلم يجد جندا ولا سلاحا ولا خيلا لكنه وجد طبالين من كل الانواع ورداحين ووجد اخرين ينتظرونه على ابواب المدن ويتشمسون، كالكلاب، على الارصفة فقرر ان يموت
اعتقد ان كمال قرر ان يموت وبالاحرى ان يهرب الى المكان الوحيد الذي لا يجد فيه اخرين مرة اخرى. وبعيدا عن جدلية ان الولادة هي الوجه الاخر للموت، لكنني اعتقد ان اكتشاف" حقيقة" موت كمال الاخير ستكشف حقيقة المناخ الثقافي العراقي الفاسد وفي سنواته الاخيرة جره نصابون ومتسولون الى حوارات عقيمة على البالتوك وافسدوا عليه عزلته حتى انه قال لنا انه يفكر يوميا في تحطيم جهاز الكومبيوتر لكنه وجد ميتا فوقه بعد مرور اربعة ايام، وسيعرف كثيرون ان مصيدة الطائر التي اعدت لكمال هي المصيدة نفسها التي اعدت للسياب، فلا غرابة ان يصدِّر كمال قصيدته حكاية في الحانة بمقولة الحلاج: اٌكثِر أعدائي
ربما الشيء الوحيد الذي لم يدركه كمال سبتي هو ان هؤلاء الاعداء لو نظرت اليهم بكل مكبرات العالم ومجاهره لما رأيت شيئا على الاطلاق. هناك خصومة منتجة حين يكون الخصم كبيرا في كل شيء وهناك خصومة لها رائحة عطور ثلاجات الموتى
حمزة الحسن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | دوّن الإدراج
























