الحرية
كتبهاالروائي العراقي حمزة الحسن ، في 9 كانون الثاني 2008 الساعة: 15:08 م

هل حقا يستطيع الحب حتى في صورته الملتبسة رغم سطحية الجملة أن يكون مبعث أمل حتى في نهاية حياة مشرفة على الهاوية ويجعل الاحتضار سعيدا كما يؤكد غابريل؟ ويحول غرفة الكاتب المعتمة الى نور ويجعل أشجار اللوز تشرق؟
هذه الرواية السيرة ـ ذكرى عاهراتي الحزينات ـ كتاب تأمل جريء في العواطف الانسانية الخفية خاصة في مثل سن الروائي غابريل ماركيز الحاصل على جائزة نوبل بل انها سيرة اخرى مدهشة لسيرته الكبيرة" عشت لأروي" وحكاية هذه الرواية قديمة لمن تابع اعمال غابريل، فلقد كتب يوما في مقال له انه يتمنى ان يكون كاتب روايةالياباني ياسوناري كواباتا" منزل ا لجميلات النائمات" وهي الوحيدة التي حلم بكتابتها
واذا كان غابريل يستطيع الكلام بحرية وانسيابية عن ذكرياته مع العاهرات، فإن الكاتب العربي المسكين لا يستطيع حتى الهمس بعلاقة حب نظيفة في مجتمعات تقوم على كل انواع الدعارة السياسية والاقتصادية والاخلاقية؟

تتحدث رواية نزل الجميلات النائمات عن نزل سري أو ماخور يرتاده العجوز ايغوشي الطاعن في السن ومن تقاليد هذا النزل ان لا يمس الرجل جسد الفتاة النائمة الى جواره أو المخدرة ولكنه يستطيع ان يحلم أو يتأمل وكان هذا يشكل تعذيبا لايغوشي وهو يجد نفسه عاجزا عجزا حقيقيا عن فعل اي شيء امام حسناء تتمدد الى جواره وممنوع حتى من ايقاظها حسب تعليمات العجوز صاحبة النزل. تقول العجوز لايغوشي يجب عدم القيام بعمل مناف للذوق ـ يتوجب عليك عدم وضع اصبعك في فم الفتاة النائمة ولا عمل اي شيء مشابه وهذا مؤلم له فعليه ان يحلم في مواجهة جسد ثري مثيرحتى انه يتأمل حياته الماضية وخساراته والحرب التي عاشها
غابريل عاد الى حلمه في كتابة رواية مشابهة لهذه الرواية وحققه بعد عدة عقود فكتب ذكرى عاهراتي الحزينات ـ وفي طبعة اخرى عنوان مخفف: ذاكرة غانياتي الحزينات
وهي على مستوى البناء الروائي عملية مثيرة وممتعة حيث اقام تناصا خلاقا على نص سابق دون ان يتطابق معه ودون استنساخ ولكن بطريقة سردية مبتكرة. رواية غابريل تتحدث عن شخص صحفي يقرر ان يحتفل بميلاده التسعين ـ وهو عمر غابريل ـ بليلة حب مجنون في البحث عن فتاة عذراء ويتحدث مع صاحبة نزل سري خاص اسمها روسا كربكاس عن مشروعه هذا فيكون له ما يريد، لكن الفارق الجوهري بين اليغوشي المتقشف والهادئ وبين بطل غابريل هو ان الاخير يمارس كل انواع الجنس مع الفتاة الحسناء حتى اكثرها خصوصية، لكنه يقترب احيانا من تاملات اليغوشي فهو ايضا يبدأ بمراجعة حياته على ايقاع هذا الجسد النافر الفتي العطر
ورغم ان عجوز غابريل يتحدث عن علاقات عديدة مع نساء اخريات من هذا الصنف من الغواني الا ان الفتاة المراهقة ديلغادينا تشعل في الجسد الهامد نيرانا أكبر من طاقة الجسد الهرم على تحملها، ويرى كل شيء مزهرا بالضوء والامل، وحين يعود يوما الى المنزل يرى ان كتبه واوراقه وقلمه محاطة بعتمة داكنة لكن الشمس تشرق على اشجار اللوز في الحديقة وهي مقابلة رمزية بين عالمه القديم، عالم كاتب وحيد وحزين وبين اشعة الحياة التي تتجاوزه في الخارج وفي داخله فلا يعود يحلم، في ذروة النشوة، الا باحتضار سعيد
في سرد مثير وجذاب وجرئ يقدم غابريل نصا مثيرا هو جمع بين السيرة وتقنيات العمل الروائي، ويبني نصه بناء على تجربة في القراءة لنص سابق ويتخطاه لان القراءة تجربة أيضا مثل كل تجارب الحياة كالحب والحرب والأمل والخوف الخ
بطل منزل الجميلات النائمات يحلم جوار جسد فتي بماضيه وحياته كلها ، وهذا يعني ان الحب حتى في أشد اشكاله عجزا قادر على خلق حياة جديدة ولو باعادة تأمل الحياة السابقة رغم مرارة اليغوشي من كون العملية لم تصل نهايتها بل لم تصل، جسديا، الى شيء على الاطلاق سوى الشعور بالخيبة المصاحبة للهرم والعجز، اما بطل غابريل الجسور فان التجربة هذه اعطته الانطباع المر في ان الحياة يمكن أن تكون أجمل وأغنى وأعذب حتى على مشارف موت مقبل لرجل في التسعين فلا يحلم بعد هذا الامتلاء، الا باحتضار سعيد
في مقالة غابريل عن رواية ياسوناري قبل عشرات السنين يتحدث كيف انه وجد نفسه في طائرة ـ وهو يعاني من خوف مزمن لان ابناء امريكا الجنوبية عندهم خبرة في الخوف من السلاح والخيل والجبل ولكن الخوف من ارتفاع شاهق غير معهود لانه يجرد الانسان من شخصيته ـ في تلك الرحلة العادية وجد غابريل نفسه يجلس الى جوار فتاة حسناء وكل ما فعلته انها تناولت قرصا صغيرا ونامت. وظل هو يحلم الى جوارها كما هي حال اليغوشي، ومن يومها وهو ينتظر فرصة كتابة هذه الرواية التجربة
هذا النوع من السيرة يحتاج الى شجاعة ادبية لكتابته ويحتاج الى تفهم اجتماعي لتقبله، لكن الكاتب لا ينتظر موافقة احد، لانه يقول كلمته ويمضي كما مضى بطل غابريل الى مصيره وهو يحلم بموت لائق قرب جمال غير مدرك لنفسه كجمال البراري والنجوم والطفولة والبراءة. هي رواية تتحدث عن عالم العاهرات لكنها رواية بحث عن النقاء البشري الذي يتواجد احيانا في غير مكانه الحقيقي. من هو في مكانه الحقيقي؟
حمزة الحسن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | دوّن الإدراج
























